المنتدى القادرى
أعزاءنا الزوار ,مرحبا بكم، نود ان نلفت إنتباهكم بان تسجيل الدخول بعضوية ضروري لتتمكن من مشاهدة المواضيع الحصرية , فنرغب منكم ان تشاركونا بمشاركاتكم و مواضيعكم !
تفضلوا بالتسجيل
مع تحيات ادارة المنتدى القادرى

المنتدى القادرى

العقيدة + التصوف + القصص + الثقافةوالادب
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
إن المريد عندما يأتي لسلوك الطريقة ويتتلمذ على يد شيخه فينبغي أن يبدأ بالاستغفار والتوبة إلى الله تعالى فكان لابد على كل من يريد أن يسير إلى الله تعالى أن يصلح ما بينه وبين الله فينبغي أن يتوب إلى الله تعالى ويصلح من حاله مع الله ليبدأ حياة جديدة مع الله بدون ذنوب ولا معاصي فلا يليق بمن يريد أن يقف بين يدي ربه أن يلبس ثياب نجسة أو مسروقة أو مغصوبة بل ينبغي أن يتطهر وكذلك من أراد السير إلى الله ينبغي أن يتطهر من الذنوب والمعاصي والسبيل إلى ذلك كما جاء في أخبار كثيرة ونصوص صحيحة هو الاستغفار والتوبة . ومن هنا اتخذ الصالحون الاستغفار بداية للعهد والبيعة واختاروها بهذه الصيغة أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم

شاطر | 
 

 شرح آية ( فبما رحمة من الله لنت لهم)

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
هامردا

avatar

عدد المساهمات : 14
تاريخ التسجيل : 15/08/2010
العمر : 48

مُساهمةموضوع: شرح آية ( فبما رحمة من الله لنت لهم)    الثلاثاء أغسطس 23, 2011 6:59 am

بسم الله الرحمن الرحيم

شرح آية (فبما رحمة من الله لنت لهم...)

لسيدي الفقير إلى الله تعالى الامام الباسل رضي الله تعالى عنه و أرضاه

الحمد لله رب العالمين حمدا ًكثيرا ًطيبا ًمباركا ًفيه، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت مما شئت من شيء بعد، أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، أنت أهل الثناء وأهل المجد، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد وله الملك، يحيي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، شهادة ًمبرّأة ًمن الشك والتهم، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله سيد العرب والعجم، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته أفضل الأمم، الحمد لله الذي أنار الوجود بسيد الوجود - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد...

ونبدأ بالآية رقم_(١٥٩) في الكتاب الكريم في سورة آل عمران ونبدأ بتفسير الآيات على وفق بعض التفاسير، منهم ابن عجيبة في "البحر المديد في تفسير القرآن المجيد"، وكذلك مقتطفات ربانية محمدية باطنية عن المقامات وإشارات نورانية حول الآية نقول وبالله عز وجل التوفيق.

يقول الحق جل وعلا فبما رحمة من الله ونعمة كنت سهلا ليِّنا رفيقا فحين عصوا أمرك وفرّوا عنك ألنت لهم جانبك ورفقت بهم، بل اغتممت من أجلهم مما أصابهم، ولو كنت فظا جافيا سيء الخلق غليظ القلب قاسيا فأغلظت لهم القول لانفضوا من حولك، أي لتفرّقوا عنك ولم يسكنوا إليك، فاعف عنهم فيما يختص بك واستغفر لهم في حق ربك حتى يشفــّـعك فيهم، وشاورهم في الأمر الذي يصح أن يُشاوَروا فيه تطييبا لخاطرهم ورفعا لأقدارهم واستخراجا وتمهيدا لسنة المشاورة لغيرهم وخصوصا الأمراء، قال عليه الصلاة والسلام: (ما شقـِيَ عبد قط بمشورة، ولا سَعِدَ عبد استغنى برأيه)، وقال حبيبنا المصطفى: (ما خاب من استخار ولا نَدِمَ من استشار)، وقال عليه الصلاة والسلام: (إذا كان أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاءكم وأموركم شورى بينكم فظهر الأرض خير لكم من بطنها وإذا كان أمراؤكم شراركم وأغنياؤكم بخلاءكم وأموركم إلى نسائكم فبطن الأرض خير لكم من ظهرها)، فإذا عزمت على شيء بعد الشورى فتوكل على الله عز وجل، ثق به وكيلا إن الله يحب المتوكلين، فينصرهم ويهديهم إلى ما فيه صلاحهم.

إن ما اتصف به نبينا عليه الصلاة والسلام من السهولة والليونة والرفق بالأمة اتصف به ورثته من الأولياء العارفين والعلماء الراسخين، ليتهيأ لهم الدعوة إلى الله عز وجل أو إلى أحكام الله عز وجل، ولو كانوا فظاظا غلاظا لانفض الناس من حولهم، ولم يتهيأ لهم تعريف ولا تعليم، فينبغي لهم أن يعفوا ويصفحوا ويغفروا ويصبروا على جفوة الناس، ويستغفروا لهم ويشاوروهم في أمورهم اقتداء برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فإذا عزموا على إمضاء شيء فيتوكلوا على الله عز وجل إن الله يحب المتوكلين.

قال الجنيد رحمه الله تعالى: "التوكل على الله أن تـُقْبِل بالكلية على ربك وتـُعْرِض عمّن دونه"، وقال الثوري عن التوكل: " أن تفني تدبيرك في تدبيره، وترضى بالله وكيلا ". قال الله تعالى: { وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً }النساء/٨١، وقال ذو النون: " خلع الأرباب وترك الأسباب"، وقال الخواص رضي الله تعالى عنه: "قطع الخوف والرجاء مما سوى الله عز وجل"، وقال العرجي عن التوكل: " هو رد العيش إلى يوم واحد وإسقاط هم غد". وقال سيدنا سهل: "معرفة مُعطي أرزاق المخلوقين"، ولا يصح لأحد التوكل حتى تكون عنده السماء كالصفر والأرض كالحديد لا ينزل من السماء قطر ولا يخرج من الأرض نبات، ويعلم أن الله عز وجل لا ينسى له ما ضمن من رزقه بين هذين.

وقيل أيضا عن التوكل هو اكتفاء العبد الذليل بالرب الجليل كاكتفاء الخليل بالخليل حين لم ينظر إلى عناية جبرائيل. وقيل لبهلول المجنون: متى يكون العبد متوكلا ؟ قال: إذا كان بالنفس غريبا بين الخلق وبالقلب قريبا من الحق.

قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من سرَّه أن يكون أكرم الناس فليتق الله ومن سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله ومن سره أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يدي الله أوثق مما في يديه).

قال ابن جزي: " التوكل هو الاعتماد على الله في تحصيل المنافع وحفظها بعد حصولها، وفي دفع المضرات ودفعها بعد وقوعها، وهو أعلى المقامات لوجهين أوّلهما: قوله تعالى:{ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ }، والآخر ضمان الذي في قوله تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} الطلاق/٣، وقد يكون واجبا لقوله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } المائدة/٢٣، فجعله شرطا في الإيمان ولظاهر قوله تعالى: { وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } التوبة/٥١، فإن الأمر محمول على الوجوب.

واعلم،،، الناس في التوكل على ثلاث مراتب:

الأولى: أن يعتمد العبد على ربه كاعتماد الإنسان على وكيله المأمون عنده الذي لا يشك في نصيحته له وقيامه بمصالحه.

الثانية: أن يكون العبد مع ربه كالطفلمع أمه لا يعرف سواها ولا يلجأ إلا إليها.

الثالثة: أن يكون العبد مع ربه كالميت بين يدي المغسل، قد أسلم له نفسه بالكلية.

فصاحب الدرجة الأولى عنده حظ من النظر إلى نفسه بخلاف صاحب الثانية، وصاحب الثانية له حظ من الاختيار بخلاف صاحب الثالثة، وهذه الدرجات مبنية على التوحيد الخالص الذي في قوله تعالى: { وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ } البقرة/١٦٣، فهي تقوى بقوته وتضعف بضعفه. فإن قيل هل يشترط في التوكل ترك الأسباب أم لا؟ فالجواب: أن الأسباب على ثلاثة أقسام:

الأول : سبب معلوم قطعا قد أجراه الله تعالى فهذا لا يجوز تركه كالأكل لرفع الجوع، واللباس لرفع البرد.

والثاني: سبب مظنون، كالتجارة وطلب العيش وشبه ذلك، فهذا لا يقدح فعله في التوكل، فإن التوكل من أعمال القلوب لا من أعمال البدن، ويجوز تركه لمن قوي عليه.

والثالث: سبب موهوم بعيد، فهذا يقدح فعله في التوكل، قلت ولعل هذا مثل طلب الكيمياء والكنوز وعلم النار والسحر وشبه ذلك.

ثم فوق التوكل التفويض وهو: الاستسلام لأمر الله تعالى بالكلية، فإن المتوكل له مراد واختيار، وهو يطلب مراده في الاعتماد على ربه، وأما المفوِّض فليس له مراد ولا اختيار بل أسند الاختيار إلى الله عز وجل فهو أكمل أدبا مع الله تعالى. ولما أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بالتوكل رغــَّب فيه جميع عباده وكما قال الشاعر:

إذا كان عون الله للمرء ناصرا تهيأ له من كل صعب مراده


وإن لم يكن عون من الله للفتى فأكثر ما يجني عليه اجتهاده


الله اكبر!! على جمال الرحمة العظيمة التي أعطاها الله سبحانه وتعالى للنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، كيف لا؟؟ وهو الذي بـُعِث بالناس رؤوف رحيم، كيف لا يكون أكثر مخلوق جُلل بالرحمة وهو سيد ولد آدم؟؟؟ إنه النور المتنقل بالأصلاب، الممزوج بالرحمة، أليس هو رحمة مهداة إلى العالمين؟! أما قال الله عز وجل فيه: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} الأنبياء/١٠٧، أما و ستتجلى رحمته بالمسلمين يوم القيامة، يوم الحشر بالشفاعة العظمى؟!

اللهم اجمعنا بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم

فإن هذه الآية قد بينت منهاج الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى وطريقة الدعوة والصبر على الخلق بدعوتهم إلى الله عز وجل، فلا يأتي أي مخلوق ليخالف هذا المنهج الرباني، فإذا كان الله عز وجل خاطب بهذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فكيف بمن بعده؟ وإذا كان الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فالأمة أوْلى أن يكون الخطاب واقعا عليها، فإذا كان الخطاب للمعلم فيجب أن يقتدي به المتعلم، فإنه من الرحمة الكبرى إلانة النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لهؤلاء القوم لهدايتهم وصبره عليهم، ومن الواجب أن تكون صفة الصبر فيهم لأنهم هم الذين سينالون الخير العظيم، ولولا تلك الرحمة والإلانة لهلكوا وما نجوا وكانوا في جهنم مخذولين والعياذ بالله سبحانه وتعالى.

وانظر إلى خطاب الله سبحانه وتعالى له بالنسبة للمؤمنين قوله تعالى: { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } الشعراء/٢١٥، وقوله تعالى: { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ } الأعراف/١٩٩، فإن هذا من كمال حسن خلق النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، كيف لا!! وقد خاطبه ربه بقوله تعالى: { وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ } القلم/٤.

فإن إلانة النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لكم وبكم إنما هذا من حبه لكم وحرصه عليكم، فكيف لا يكون حريصا على الخلـْق وهو سيدهم على الإطلاق، والله عز وجل قال: { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } التوبة/١٢٨، وقال عليه الصلاة والسلام: ( لا حلم أحب إلى الله من حلم إمام ورفقه، ولا جهل أبغض إلى الله من جهل إمام وخرقه )، فانظر في سيرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم العظيمة... كيف خاطب النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم المؤمنين الذين نزلوا عن الجبل، فكان سبب هزيمة المسلمين، وقتل كثير من المسلمين ومنهم سيدنا حمزة أسد الله عز وجل وأسد رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في معركة أحد العظيمة، لوجدت حلماً عند النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ليس موجوداً في مخلوق، فإذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يأمر الكل بهذا الحلم وبحسن الخلق كقوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: ( كاد الحليم أن يكون نبيا )، وحديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم للرجل الذي جاءه وقال له: ( أوصني. فقال: لا تغضب) ثم كرر الأمر على النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم والنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول له: ( لا تغضب) أفيأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم هذا لغيره؟ فكيف يكون فيه؟!

فإن الله عز وجل جبله على كل خصال الخير والعظمة والكمال. فماذا نفهم من قوله تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } الأنبياء/١٠٧، والنبي صلى لله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول: ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) ولا يتمم المكارم إلا من تمّت به كلها كي يستطيع أن يتممها بغيره، فالرسالة كلها جاءت تحث على حُسن الخلق، فلو نظرت أيضا إلى سيرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كم من حادثة وقعت مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وما كان يصدر من النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلا قمة العفو والمعروف، وانظر،،، إلى الرجل الذي جاء على النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وهو نائم وسيفه بيده وقال للنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: من سينجيك مني الآن؟ وكان الرجل يريد قتل النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وليس هناك أعظم من هذه جريمة على وجه الأرض، فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الله ينجيني منك فسقط السيف من يد الرجل ومسكه النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم للرجل من سينجيك مني الآن فقال الرجل كن خير آخذ فعفا عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

وكثير مثل هذه الوقائع حدثت مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وكان صاحب العفو الأكبر لأنه الرحمة المهداة للخلق كلهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (أدبني ربي فأحسن تأديبي )، فإذا المؤدِّب هو الله سبحانه وتعالى فكيف سيكون المؤدَّب؟ ليس هناك أعظم من هذا. وهذا الحديث رُوي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، فعندما تقرأ هذا الحديث معناه أي أن الله عز وجل علمني وجبلني على محاسن الأخلاق الظاهرة والباطنة، وإن الله سبحانه وتعالى هيــَّأه منذ الصغر لهذا الأمر، الأمر العظيم، وأدّبه منذ صغره، وأن الله عز وجل أجلسه على عرش الأدب وحسن الخلق من بداية خلقه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وقال بعض أهل الله عز وجل " أدّبه تعالى بآداب العبودية، وهذبه بمكارم أخلاق الربوبية، لما أراد إرساله ليكون ظاهر عبوديته مرآة للعالم لقوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: ( صلوا كما رأيتموني أصلي )، وباطن حاله مرآة للصادقين في متابعته ومرآة للصدّيقين في السير إليه، بقوله تعالى: { فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} آل عمران/٣١، والأدب استعمال ما يُحمد قولا وفعلا.

وقال بعضهم قد أدّب الله عز وجل روح نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وربّاها في محل القرب قبل اتصالها ببدنه الطاهر الظاهر باللطف والهيبة، فتكامل له الأنس باللطف والأدب بالهيبة، واتصلت بعد ذلك بالبدن ليخرج باتصالها كمالات أخرى من القول إلى الفعل، وينال كل من الروح والبدن من الكمال ما يليق بالحال، ويصير قدوة لأهل الكمال... واعلم أن صفة الفظ وغلظ القلب ليس من صفة النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لأنهما صفتان سيئتان فلا يمكن أن يخاطب الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بمثل هذا، ولا يمكن أن يقع النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تحت هاتين الصفتين، ولكن هذا تحذير لأمته على أن لا يقعوا ويكون بهم هاتان الصفتان، وخصوصاً أهل الدعوة والإرشاد، والمطلوب من كل فرد من أمة النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أن يكون داعياً إلى الله سبحانه وتعالى وإلى رسوله الأكرم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

واعلم بأن في قوله تعالى:{ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ} صفتان: واحدة منهما ظاهرية والأخرى باطنية، وهذا دليل على أنه إذا كانتا في أحد فإنه لا يصلح للدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، لأنه سيبعد الناس عن هذا الدين الحنيف الذي ارتضاه الله عز وجل لخلقه. فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم هو كنز الحقيقة وأكمل الخلق بالخلق والخليقة، صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة؟ واسمع كلام حبيبك المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: ( إن الله جعلني عبداً كريماً، ولم يجعلني جباراً عنيداً) رواه أبو داوود وابن ماجة عن عبد الله ابن بسر رضي الله تعالى عنهما.

نعم أحبة النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إن الله تعالى جعله عبداً كريماً وليس جباراً لأن الله عز وجل ينادي يوم القيامة أين المتكبرون والمتجبرون على خلقي؟ فويل من كانت هذه صفته يوم القيامة فهذه من صفة الفظاظة وغلظ القلب، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول: ( إنما بعثني الله مبلغاً، ولم يبعثني متعنتاً ) رواه الترمذي عن عائشة رضي الله تعالى عنهما.

فإن الله تعالى بعث النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم مبلغاً لأحكام الله سبحانه وتعالى، داعياً إليه ومعرِّفاً به عز وجل، وداعياً إلى جنته، ومبيناً مواقع رضاه وآمراً بها، ومواقع سخطه ومحذراً منها وناهياً عنها، وكيفية سعادة النفس البشرية وشقاوتها. فعندما قال لم يبعثني متعنتاً أي متشدداً في الدعوة إلى الله عز وجل، فإن من التربية وخواصها أن يزجر المعلم المتعلم عن سوء الأخلاق باللطف والتعرض ما أمكن من غير تصريح وبطريق الرحمة من غير توبيخ، فإن التصريح يهتك حجاب الهيبة ويورث الجرأة على الهجوم بالخلاف وتهييج الحرص على الإصرار...

نعم فكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم خير وأعظم مبلـِّـغ عن ربه سبحانه وتعالى، وخير محذر من عذابه وغضبه لكي لا يكون للناس على الله عز وجل عليه حجة يوم القيامة، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في حجة الوداع: ( اللهم هل بلغت وقد كررها ثلاثة فقالت الصحابة رضوان الله تعالى عليهم: نعم، فقال: اللهم فاشهد ) وأيضا كرر هذه الكلمة ثلاثاً. و قد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم: ( إني لم أبعث لعانا وإنما بعثت رحمة ) رواه البخاري في الأدب ومسلم عن أبي هريرة.

إنما بعث رحمة لمن أراد الله عز وجل إخراجه من الكفر إلى الإيمان أو ليقرّب الناس إلى الله سبحانه وتعالى وإلى رحمته لا ليبعدهم عنها، فاللعن منافٍ لحال النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وليس من صفته، ولا يجب أن تكون من صفة مَن يأتي بعده من أمته أو ممن يدعون إلى الله عز وجل، فالرحمة مزجها الله سبحانه وتعالى بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وعليها النبي يقول أيضا: ( إنما بعثت رحمة ولم أبعث عذابا ) رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فإنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم مُلئ بالرحمة والرأفة فاستنار قلبه بنور الله تعالى فصغرت الدنيا في عينه فبذل نفسه في جنب الله تعالى فكان رحمة وأماناً، فلم يقصد العذاب من بعثة صلى الله عليه وعلى اله وصحبه وسلم وإنما الرحمة والهداية والنجاة والنور والعطاء للبشرية جمعاء. فإذا كان الله سبحانه وتعالى ألبس النبي صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم صفتان من صفاته وهما الرحمة والرأفة بقوله تعالى:{ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } التوبة/١٢٨، والله عز وجل يقول: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا } سبأ/٢٨، وعندما تسمع قول الله تعالى: { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ } الفتح/٢٨، بأي صفات سيحلـّي مَن سيرسله ليكون نائباً عنه وخليفة له ومعرِّفاً به سبحانه وتعالى؟ نعم فإن الإنسان الفظ لا يجتمع عنده اثنان إلا من هو على شاكلته، فهذه دعوة للدعوة، وهذه دعوة للتخلي عن الصفات السيئة وخصوصاً هاتين الصفتين لمن سيهيئه الله تعالى للدعوة ولمن يريد السير على طريق الدعوة.

واعلموا أحبة النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أن هاتين الصفتين بحاجة إلى رحمة الله عز وجل كي يخرجهما ممن تكونان فيه، فعدم وجود هذه الصفات في المسلم فهذا علامة على أن هذا المسلم يعيش برحمة من الله تعالى عامة وخاصة، فبرحمة الله تعالى عليك تكون رحيماً على خلقه.

_________________
نزه جميلك من قبح الْمَنِّ


عدل سابقا من قبل هامردا في الثلاثاء أغسطس 23, 2011 8:43 am عدل 2 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
هامردا

avatar

عدد المساهمات : 14
تاريخ التسجيل : 15/08/2010
العمر : 48

مُساهمةموضوع: رد: شرح آية ( فبما رحمة من الله لنت لهم)    الثلاثاء أغسطس 23, 2011 7:00 am

واعلم بأن هاتين الصفتين مناقضتان للرحمة، فهذه دعوة للأمة للتخلي عن هاتين الصفتين لكي تكون مشمولة بالرحمة الكبرى من الله عز وجل، ولأن كل مسلم مأمور بأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ).

ولكن انظروا أحبة النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إذا كان قلبك مليئاً بالرحمة وليس فيه هاتان الصفتان فبمجرد ما أن تضع نية التغيير في قلبك، وبهمّك في تغيير المنكر سيعينك الله سبحانه وتعالى، فإذا كان قلبك مليئاً بالرحمة ستظهر على جوارحك وسيعينك على الدعوة ويجعل الاستجابة على يديك...

إذاً:{ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ } الذي عنده الرحمة ستظهر عليه، وإن الله عز وجل جعل في النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم رحمة وكان خلقه رحمة وبعثه رحمة تسع وتشمل كل مخلوق خلقه الله سبحانه وتعالى، وهذه من حقائق النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لقول الله تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} الأنبياء/١٠٧، فالرحمة التي جعلها الله عز وجل بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تشمل العالمين كلهم على الإطلاق. وعندما يقول تبارك وتعالى: { وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ} أي من أراد بعدك أن يقتدي بك ويتمثل فيك بالدعوة يجب أن لا تكون فيه هاتين الصفتين، وعندما يقول تعالى:{ وَلَوْ كُنتَ } هو ما كانت كينونته على هذا، ولا يمكن أن تكون على هذا، ولكن إشارة إلى أن هذه الصفة يجب أن لا تكون بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ولا بالولي ولا بمن سيسيرون على طريقهما، لأنه إذا كانت في الداعي من هاتين الصفتين ستكون النتيجة الانفضاض من حوله وعن دعوته، وانظر لكلمة { لاَنفَضُّواْ} وهذه أشدّ من التفرق، وهذا يعني أنك لن تجد من يسمع دعوتك بل العكس ستجد من سيجابهك بدعوتك إن كانت بك هاتان الصفتان، لأنك بهذه الصفات لا يمكن أن تستطيع أن تـُدخل كلمة الحق بالقلوب وتجعلها تعمُر بالمحبة لك ولدعوتك بل ستجعلها تعمُر بالكره لك ولدعوتك وتحاربها بكل الوسائل كي لا تقوم لها قائمة، انظر إلى هذا التعليم الرباني لهذه الأمة في كيفية الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، واعلم بأن غلاظة القلب تعني كأن القلب مغلق، والقلب المغلق محجوب ويعمُره الجهل وعدم المعرفة والدراية وليس مشمولا باللطف والعناية، وكذلك الفظاظة فإنها حتى بلفظها ثقيلة على السمع وعلى النفس كيف ستقبل النفس أي كلام من رجل فظ؟ بل كما قلنا سيورث الكره والنفاق بمن يسمعه، فالحذر كل الحذر من هاتين الصفتين السيئتين. ...

وللأسف الشديد كثير في زماننا الحالي وأسأل الله العظيم أن ينجي الأمة بكل زمان ومكان من هاتين الصفتين كثير من بهم هذه الصفات في زماننا الحالي وهذا سبب وجيه في حال الإسلام اليوم الحال الذي لا يجب أن يكون الإسلام عليه، وهذه بمثابة الضربة القاسمة للإسلام، وهذا سبب نفور الغرب أو من هم ممن ليسوا على ديننا من الدخول في هذا الدين الحنيف لأنهم لا يرون صفة الداعي كما يدعو بل مغايرة ومعاكسة كل العكس عما يقول فكيف سيؤخذ منه؟ بل سينسب الكلام السيء حتى على الإسلام وعلى كلام الله سبحانه وتعالى وعلى سنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

فالأولى على الدعاة إلا من رحم ربي إلى دعوة أنفسهم على مائدة حسن الخلق النبوي والأدب الرباني لأنه من الأولى أن يتخلق الداعي بأخلاق الله سبحانه وتعالى كي يستطيع أن يجمع الناس على الدعوة وعلى الإسلام ويكون سبباً في هداية غيره ويكون ممن جعلهم الله سبحانه وتعالى منجياً لخلقه ومنقذًا لهم من الضلالة. فإن من أراد أن يحمل الرسالة يجب عليه أن يتحلى بالمرسل، هذه القاعدة كي يستطيع أن يبلغها وينشرها ويدعو الناس إليها وعليها.

فالله عز وجل يقول للنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ولمن بعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: {وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } النحل/١٢٥، والله عز وجل يقول أيضا: { وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ } فصلت/٣٤، انظر لهذه الصفة التي هي عكس الصفتين اللتين نتكلم عنهما، ما أجملها لو تحلـّـت بها الأمة والداعون إلى الله عز وجل خصوصاً. والله عز وجل يقول: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ } النحل/١٢٥، وهذه أيضا عكس الصفتين اللتين نتكلم عنهما وهما فظاظة النفس وغلاظة القلب.

فإذا تحلى الداعي بالمحبة والحكمة والموعظة الحسنة ستكون بهذا الدعوة كاملة وستكون قد أديت ما عليك بالدعوة، فافهم هذا وسِرْ عليه وكوِّن نفسك وقلبك على هذا أو اذهب على من يحققها فيك من أهل الله تعالى العارفين الأكابر، تربى على أيديهم لكي تــُربي غيرك على يديك... نعود إلى الآية {لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} بالله عليك قل لي إذا لم يكن أحد حولك فماذا إذاً تملك إلا طبعاً إذا أراد الله عز وجل أن يتم أمراً عنده وهذا راجع لله سبحانه وتعالى. والله عز وجل يقول في الآية: { فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ } انظر في هذه الآية ولا تمر عليها مر الذي لا يأبه لشيء ولا يلفته شيء فهذا من الجهل، فاعف عنهم هذه دعوة لكي يكون المرء عفوٌ صاحب عفو، فالعفو عند المقدرة من الخُلق الحسن ومن الشهامة ومن قمة الرجولة، فكما أنك تحب العفو من الله سبحانه وتعالى فاعف عن غيرك، فإنك بالعفو عن الناس تملك قلوبهم وتعلو منزلتك عند الله سبحانه وتعالى وعند الناس.

وهذه دعوة من الله عز وجل لإظهار صفات الخير التي فيك، فإن كل صفة فيك لا بدّ وأن تظهر عليك، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ملك العفو بالله سبحانه وتعالى وهو خير من يعفو ويعدل، فقد جاء رجل للنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وهو يُقسم غنائم إحدى المعارك فقال له اعدل للنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم له: ( ويحك من يعدل إن لم اعدل )، وَقِـس على ذلك مَن يعفُ إن لم أعفُ ؟ فالكل يأخذ العفو من النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وإن َطلب العفو من الله من أعظم الدعاء، يدعو به الإنسان لله عز وجل، وقد سألت سيدتنا عائشة رضي الله تعالى عنها النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (قلت يا رسول الله أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: ( قولي اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني ) . فالعفو يشمل كل شيء فمِن أسماء الله سبحانه وتعالى (العفو) فيجب أن يتخلق به المسلم والداعي إلى الله سبحانه وتعالى، فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم هو خير من تخلق بهذا الخلق الكريم والصحابة تخلقت بهذا وعلى الكل أن يتخلقوا بهذا الخلق الكريم .

فهناك الكثير في السيرة الشريفة عن وقائع عفو النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ترى منها مظهر العفو النبوي وكيف كان يأمر الصحابة بهذا الخلق ويأمر الكل بهذا، فإن من الأسباب لمحبة الصحابة رضي الله تعالى عنهم للنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لما رأوا فيه من كثر العفو، ولقد ظهر هذا الخلق بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ظهور الشمس في كبد السماء، وأيضا خاطبه الله سبحانه وتعالى بالاستغفار لهم، هل هناك أجمل من هذا؟ يعفو عنهم ويستغفر لهم، فإن استغفار النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لهم رحمة ورفعة وعلو لهم، لذا قل لي أنت ماذا سيخرج منهم؟! لا يخرج منهم إلا كل خير وعظمة، اعف عنهم واستغفر لهم لأنهم لا يعلمون وأنت الذي تعلم، فَسعهم بحلمك وحسن خلقك واستغفر لهم وشاورهم في الأمر، انظر إلى هذا التكريم الذي يريد الله سبحانه وتعالى من عباده أن يتعلموه ويطبقوه على من يعلمونهم ...

وهنا إشارة حلوة وعظيمة وهي بمشورتك لهم وخصّهم بالمشورة بأن تشاورهم، هنا تعلم كم أخذوا منك واستفادوا لأنهم سيتكلمون مما سمعوه وأخذوه عنك، فالمشورة تـــُظهــِر إن كان المستشار واعياً أو غير واع ٍ، فعندما ترى نظره لأي أمر ترى فكره وقدْره لأي أمر وصل، سبحانك إلهي ما أعظمك!

أحبة النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إن هذه الآية جمعت من الأمور الكثير والتي يجب أن تكون في الإنسان والداعي إلى الله عز وجل كما قلنا أن لا يكون فظا غليظ القلب، وكذلك العفو، وكذلك الاستغفار للمسلمين، وكذلك المشورة، وكذلك العزم، وكذلك التوكل على الله سبحانه وتعالى، وهذا كله لكي يعيش الإنسان في صفة الكمال ولا يخرج عنها.

وقد ورد استغفار النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في عدة آيات كثيرة وعلى عظمة هذا الاستغفار وقدْره عند الله سبحانه تعالى، مثل قوله تعالى: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا } النساء/٦٤، وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } الأنفال/٣٣، وكما قلنا هناك الآيات الكثيرة الدالة على استغفار النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم للمسلمين والمؤمنين. وأيضا قوله تعالى: { وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ } فإنك بهذا تشعرهم بالمسؤولية وتجعلهم يكونون على قدر هذا الأمر، وهذا أي المشورة تعظيم لهم لأن أهل المشورة هم أعلى القوم، أهل العلم، وفي عدة مواقع كثيرة كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يشاور أصحابه على عدة أمور مثل الخروج من المدينة أو البقاء فيها في إحدى المعارك، وفي مسألة الأسرى في معركة بدر الكبرى، وفي كثير من الأمور كما قلنا، وهذا واجب على من يأتي بعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ويكون على طريق ومنهاج النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الأقوم في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.

وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يشاورهم ويعلم حل الأمر ولكن يريد أن يرى أثر تعليمه لهم إلى أي حد وصل...

ومن هنا أقول أن هذه الرسالة هي بمثابة دعوة لتبيان كيفية الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، { فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ } فالنبي هو من الرسل أولي العزم، وهو صاحب العزيمة الكبرى والإرادة العظمى لأن عزيمته لله تعالى وإرادته بالله عز وجل، وتوكله دائماً على الله سبحانه وتعالى، أي إذا عزمت على الأمر الذي شاورتهم عليه سواء وصلوا للأمر أم لم يصلوا فنفذه بالتوكل على الله تعالى فإن الله سينفذ أمره وينجز وعده، فكل الخلق تأخذ من بعض توكلك على الله تعالى أيها النبي المصطفى والرسول المجتبى، ولا نريد أن نخوض في موضوع التوكل لأنه بحاجة إلى مجلدات ولا يسعنا في هذا المجال إلا الشيء اليسير، فالتوكل هو أن لا ترى غير الله سبحانه وتعالى وهذا كان حال النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وحال الصحابة رضوان الله تعالى عنهم وهكذا يجب أن يكون الحال من بعدهم، فالتوكل من أعظم المقامات التي يمنّ الله تعالى بها على العبد في سيره إليه، وهو مقام لا يحصل لعبد إلا إذا كان هذا العبد قلبه ساجد في حضرة الله عز وجل، والله عز وجل ذكر التوكل في عدة آيات مثل: { وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ } الفرقان/٥٨، وأيضا { وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا } الأحزاب/٣، وقوله تعالى: { وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } الطلاق/٣، وأحاديث كثيرة وردت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم مثل: ( لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا ). وعندما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عن السبعين ألفا الذين سيدخلون الجنة بغير حساب عن صفاتهم: (يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب . قالوا : من هم ؟ يا رسول الله ! قال : هم الذين لا يسترقون ، ولا يتطيرون ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون) وتذوّق معنى: { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ } انظر ما أجملها وأعظمها وأكرمها، إن الله عز وجل يحب العبد الذي هذه صفاته، فهذه الصفات التى يجب على الداعي إلى الله عز وجل أن يتحلى بها، يكون بها من خير الدعاة ويكون سائراً حقيقة على منهاج النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وهذه الصفات السبعة:

أولا: أن لا يكون فظاً

وثانيا: أن لا يكون غليظ القلب

ثالثا: أن يتحلى بالعفو

ورابعا: يجب أن يستغفر لمن معه وللمسلمين

وخامسا: المشورة، يجب أن يتحلى بها ولا يستأثر الأمر بنفسه

سادسا: العزم يجب أن يكون صاحب عزيمة قوية وإرادة بالله سبحانه وتعالى

وسابعا: التوكل على الله سبحانه وتعالى يجب عليه أن يسعى لكي يكون في مقام التوكل، فتكون ثقته بالله سبحانه وتعالى عالية.

فهذه الآية هي بمثابة مدرسة عظيمة أنزلها الله عز وجل وأهداها لهذه الأمة المحمدية، ترى أنها خطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وهذا للتعظيم والتبجيل لا للتقليل فافهم، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بلغ من حقيقته ما لا يعلم قدره إلا ربه سبحانه تعالى الذي أبدعه فكان صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أعظم خلق الله عز وجل على الإطلاق ولا يمكن لمخلوق أن يضاهيه في العلو والعظمة والقرب من الله سبحانه وتعالى.

وكما قال الشاعر:

انظر إلى المختار كيف وجـوده ملأ السمـا والأرض والأكوانا

فتراه مثل البدر في كبد السمـا وضياءه ملأ الوجـود عيانــا

وكما قال الشاعر أيضا :

كل المكارم تحت طــي بروده ولقد أضاء الكون عند وروده

والبحر يقصر عن موارد جوده إنسان عين الكون سر وجوده

وأيضا :

فمبلغ العلم في أنه بشــر وأنه خير خلق الله كلهـــم


نعم أحبة النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كيف يدرك حقيقة النبي صلى
الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلا الذي أبدعها؟!


وكما قال الشاعر:

فهو الذي تم معناه وصورتـه ثم اصطفاه حبيبا بـارئ النسـم


فحقائق النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فوق مستوى العقل البشري وما
أدرك العارفون منها إلا الشيء اليسير اليسير.


وكل آية أتى الرسل الكرام بها فإنما اتصلت من نوره بهــم

أسال العظيم وبحق اسمه العظيم أن يجمعنا بحبيبه سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في الدنيا قبل الآخرة، يقظة ومناما، حالا ومآلا، سرا وعلانية، ظاهرا وباطنا، وأن يجعل روحه الشريفة مديرة لأرواحنا وذواتنا إنه على ما يشاء قدير.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

وسبحان ربك رب العزة عما يصفون

وسلام على المرسلين

والحمد لله رب العالمين


_________________
نزه جميلك من قبح الْمَنِّ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
شرح آية ( فبما رحمة من الله لنت لهم)
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المنتدى القادرى :: الاقسام الاسلامية :: المنتدى الاسلامى العام-
انتقل الى: